FB Instagram Twitter Youtube Linkedin طريقك الفعال نحو تطوير رأس المال البشري والاستفادة منه  | أكاديمية اعمل بيزنس
 
الرجوع الى المدونة

طريقك الفعال نحو تطوير رأس المال البشري والاستفادة منه 

طريقك الفعال نحو تطوير رأس المال البشري والاستفادة منه 

يذهب الأفراد إلى أشغالهم من الساعة التاسعة صباحًا إلى الساعة الخامسة مساء، يقومون بأداء أعمالهم التي تصبح روتينية بعد فترة من الزمن،  ثم يذهبون إلى بيوتهم منهكين. يتكرر الأمر يوميًا دون تغيير، وفى نهاية الشهر يحصل الأفراد على نفس الراتب وتحصل الشركة على نفس القدرة الإنتاجية كل شهر. لا يجنى الموظف أي فائدة من ضياع ساعات عمره في وظيفة لا تطور مهاراته الشخصية أو خبراته المهنية، ولا تجني الشركة أي تطور في نوع الخِدْمَات المقدمة أو كفاءة العملية الإنتاجية. معادلة خاسرة لكلا الطرفين، هددت بحدوث خسائر كبرى للمجتمع الاقتصادي، فتجلى الحل فى مصطلح جديد تم طرحه في ستينات القرن الماضي، مصطلح تطوير رأس المال البشرى

ما المقصود برأس المال البشري؟ 

لا ينحصر رأس مال المؤسسات في الأصول المادية والنقدية الخاصة بها، بل يتسع هذا المفهوم ليشمل ما تضمه من موارد بشرية وما تضمه من خبرات، فرأس المال البشري من وجهة نظر النظرية الاقتصادية الحديثة، هو عبارة عن مجموعة من المهارات والقدرات والخبرات التي يمتلكها الأفراد المنتمين إلى بيئة أو مؤسسة، والتي تتميز بقدرتها على النمو والابتكار باستمرار، مع زيادة قيمتها وتأثيرها على العمل وكفائته تدرجيًا كلما زاد عمر العامل أو بدأ من بعده من النقطة التي انتهى فيها سابقه. 

فإذا أردنا أن نشرح هذا المفهوم بالتفصيل، سنقول أن رأس المال البشرى هو عبارة عن كل الخبرات والمهارات والقدرات والمعارف والعلاقات  التي يكتسبها الفرد منذ نعومة أظفاره، بداية من التعليم والتغذية السليمة، وصولًا إلى قدراته النفسية والمهنية والاتصالية، وكذلك شبكة علاقاته وطريقة أدائه للأعمال. هذه القدرات تختلف من فرد لأخر وتتنوع مستوياتها، لكنها تكون متشابهة بالقدر الكافي في سنين التعليم الأولي للجميع، 

هذه المهارات تنمو تدريجًا كلما زاد الفرد في ارتباطه وعلاقاته مع البيئة المحيطة وسعى لتطوير شخصيته ومهاراته بشكل أوسع، وعندما يحصل هذا الفرد على وظيفة في النهاية، فالشركة لا توظف الشخص بمهاراته الحالية فحسب، بل توظفه أيضًا مع قدرة على الاستفادة من ما قد تصل إليه مهاراته في المستقبل، فمستوى الشخص في أداء مهمة في الشهر الأول من الوظيفة لا يقارن بمهاراته في أدائها في العام الأول منها، وكفاءة الشخص في أداء الأعمال وفهمها في البداية، لا يقارن بحجم الخبرات التي يكتسبها وتزيد من جودة العمل فيما بعد. فبمجرد أن يتم تعيين شخصًا ما في وظيفة، تستطيع الشركة حينها الاستفادة من مهاراته الحالية ومهاراته القادمة وما سيؤثر فيه في آلية تنفيذ العمل؛ فإذا كان الموظف نجح في تصميم طريقة لأداء المهمة في ساعة واحدة بنفس الفعالية والجودة بدلًا من 5 ساعات، فعندما يغادر هذا الموظف العمل، سيورث لمن بعده هذه الطريقة أيضًا. هذا فقط على مستوى الفرد الواحد، فكيف يكون الأمر فيما يتعلق بإدارة كاملة أو المؤسسة بالكامل وما تضمه من مهارات وخبرات يعاد تطويرها يومًا بعد يوما، فهذا الجيل من الموظفين سيؤدون العمل بفعالية 40%، ثم يأتى من بعدهم يقومون به بفعالية 60%، ثم الجيل التالي بنسبة 80% ثم من يعرف قد تصل إلى 100% في أى جيل. 

لكن يجب الإشارة هنا أن رأس المال البشرى ليس ثابت، فهو يتناسب طرديًا مع العوامل المحيطة به من تقدم تكنولوجي وحضاري؛ فالمهارات التي تستفيد منها المؤسسة حاليًا وتزيد من كفائتها لـ 100%، مع تغير في التكنولوجيا المتاحة أو متطلبات السوق، ستعيدها هذه المهارات إلى كفاءة 10%، وحينها ستحتاج الشركة إلى تطوير هذه المهارات لمواكبة التغيرات الجارية، لذلك فعملية تطوير رأس المال البشري والاستفادة منه، تسير جنبًا إلى جنب مع التطور الحضاري، بحيث يمكن وصفها بأنها القيمة المادية والحسية للشخص أو المؤسس بناء على كم الخبرات المتراكمة التي يجنيها نتيجة التفاعل مع البيئة المحيطة، بحيث يتكون من جانبين: 

  • جانب فطري:  يقصد بالجانب الفطري في رأس المال البشري  كافة القدرات والمهارات الشخصية من الذكاء والقدرة على التواصل والعوامل الوراثية والإمكانيات الجسمانية وتأثيرها في تشكيل شخصية المرء
  • جانب مكتسب: ويقصد بها كافة المهارات والخبرات التي يكتسبها الفرد أما من خلال التعليم والاشتراك في الدورات التعليمية والحصول على الكورسات وحضور الورش، أو من خلال المهارات التي يكتسبها من سوق العمل أو من الممارسات التي يقوم بها مع البيئة المحيطة أو من خلال ما ينقل إليه من خبرات سابقيه. 

من خلال السطور السابقة، يمكن وصف رأس المال البشري بكونه  مادي وحسي، متغير ودائم التطور، متنوع، قابل للقياس، يزداد أهمية كلما انتقل من جيل لآخر.  

أهمية تطوير رأس المال البشرى والاستفادة منه

في الماضي لم يكن ينظر لتطوير رأس المال البشري كونه عنصرًا فعالًا في العملية الإنتاجية، بل اقتصرت الرؤية على كون الموظفين هما بمثابة القِوَى العاملة للمؤسسة بمهاراتهم وإنتاجيتها  الحالية، لكن مع تطور الصناعات والعلوم الاجتماعية، أثبتت التجربة أن تطوير رأس المال البشري ولا سيما في المرحلة المبكرة للفرد، ينشأ عنها تأثير ضخم في العملية الإنتاجية وجودتها، بل طبقًا للدراسات تم نشرها مؤخرًا، فإن الاهتمام بعملية التنشئة للأفراد من الصغر، والاهتمام بكل من (التعليم، والتغذية، واكتسابهم المهارات الشخصية والفنية، والاهتمام برعايتهم صحيًا) ساعد بشكل كبير في نقل البيئات النامية إلى مستوى أكثر تقدمًا ورفاهية عما سبق، وهو بدوره ما يتوافق مع النظرة الماركسية في الاقتصاد، والتي ترى أن العملية التعليمية تساهم بشكل كبير في زيادة مهارات الفرد، مما يساهم في تنوع فرص العمل المتاحة وكذلك مستوى أدائها وفعالية جودتها. 

يساهم تطوير رأس المال البشري وخاصة إذا كان مدعمًا من الدولة في ظهور جيل جديد من العمالة أكثر خبرة وأسرع مهارة وكذلك أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات المستمرة في السوق العمل وأكثر قدرة على مواكبة المستقبل وما يحدث فيه من مفاجآت؛ فعلى عكس الجيل السابق، سيأتى الجيل الجديد لا مصقلًا بالخبرات والمهارات الخاصة بـ سابقيه فحسب، بل أيضًا سيستفاد مما توصل إليه العلم من أحدث الاستراتيجيات والطرق، وسيقوم بتطبيقها جنبًا إلى جنب مع الطرق التقليدية، بحيث يحقق أكبر إنتاجية ممكنة تساعد على التغيير التدريجي الإيجابي والمؤثر في بيئة العمل.

يساعد تطوير رأس المال البشري والاهتمام به على سرعة مواكبة الدول النامية للدول المتقدمة وعلى تقليل الفجوة التي تزداد اتساعا بين نوع المجهود المبذول في أداء الوظائف وما يتم تقديمه من أجور؛ فبدلًا من قيام الشخص في دولة نامية بأداء وظيفة في 3 أيام ويتقاضى  عليها أجرًا زهيدً لا يتناسب مع يقدمه، بينما تقوم شخصًا آخر في دولة متقدمة بتنفيذها في 15 دقيقة بفضل ما وصل إليه مهارات وما يقدم إليه من تكنولوجيا ويتقاضى في المقابل ضعف ما يتقاضاه الأول في 3 أيام، ستكون عملية توزيع الأجور عادلة وتتناسب طرديًا مع مستوى خبرات المرء وما يقدمه من قيمة لبيئة العمل. 

يساهم تطوير رأس المال البشرى على زيادة كفاءة الأفراد العاملين وسرعة أدائهم للمهام الموكلة إليهم، فبجانب التعليم المدرسي والجامعى، يقوم العمل نفسه بإعادة تنشئة الفرد بحيث يكسبه مزيد من الخبرات الحياتية الفعالة، كما يساعده بما يقدمه من ورش وتدريبات على زيادة سرعته واتصاله بالتغييرات التي تحدث حوله في العالم؛ فالاهتمام برأس المال البشري يجعل الفرد عند الانتهاء من مراحله التعليمية بكفاءة 30%، وعند الحصول على أول وظيفة تزداد كفاءته إلى 50% ومع مرور الوقت في الوظيفة تزداد كفائته تدريجًا ويزداد معها فعالية أدائه وجودتها. 

يساعد تطوير رأس المال البشرى على زيادة نسبة رضا الموظفين بوظائفهم الحالية؛ فاهتمام الشركة بتطوير مهارات العاملين فيها، ودفعهم نحو صقل هذه المهارات واستغلالها وتوظيفها التوظيف الأمثل، يدفع الموظفين إلى الرغبة في الاستمرار في هذه البيئة الصحية والتي من ناحية تستغل مهاراتهم بطريقة صحيحة، ومن ناحية أخرى تنمي مهاراتهم وتساعدهم في تطوير مسارهم المهني.

يساعد تطوير رأس المال البشري الشركات في تحسين معدلات الاحتفاظ بموظفيهم لأطول فترة ممكنة، فما السبب الذي سيدفع الموظف إلى مغادرة شركة تساعدة على التطور وتقدر قيمته وتعززها في السوق؛ فبدلًا من ترك الموظفين لأعمالهم واضطرار الشركة إلى توظيف عمالة جديدة كل فترة، سيساعدها الاهتمام بتطوير رأس المال البشري على الاستفادة من هذا الوقت في تنمية الشركة نفسها وتطوير مهارات العاملين بها. 

مع الاهتمام بتطوير رأس المال البشري وخلق بيئة عمل إيجابية يتميز أفرادها بأنهم يكملون بعضهم بعضًا، ستصبح العملية التنظيمية داخل هذه البيئة أسهل وأكثر مرونة عن غيرها من البيئات؛ فبدلًا من التواجد في  بيئة تتشابه مهارات العاملين فيها مع بعضهم البعض ويدخلون في صراع حول من يتولى هذا ولماذا يتولى هذا، ستنظم المؤسسة مهارات العاملين فيها بحيث يحتوى كل قسم على المهارات التي يحتاجها والتي تكمل مهارات زميله أيضًا. 

يساهم تطوير رأس المال البشري على معاملة الموظفين كالعملاء، بهدف تقديم أفضل خدمة وجودة لهم، بما يتناسب طرديًا مما يقدمونه من خدمات وجهد في سبيل تطوير الشركة ونجاحها. بالإضافة إلى ذلك فإن الاهتمام به يساعد على معرفة المهارات الاستثنائية للموظفين والعمل على توظيفها في مكانها المناسب والعمل على خلق بيئة مشجعة للابتكار والإبداع بأسهل الطرق وأقلها تكليف. 

يساعد تطوير رأس المال البشري على خلق عِلاقة ارتباطية بين الموظفين وبين رسالة ورؤية الشركة، بحيث يفهم الموظف موضعه من مكانة الشركة وما يحتاجه من مهارات ليواكب تطوراتها في الخطة المستقبلية. فمن ناحية يضمن الموظف بقائه في السنين القادمة في الشركة، ومن ناحية أخرى تضمن الشركة وجود المهارات المناسبة لتطورها. 

في النهاية، فإن الاستثمار في الموظفين سواء من قبل الدولة في المراحل الأولى من تنشئتهم أو من خلال المؤسسة وما تقوم به من ورش وتدربيات، لا يساعد فقط في زيادة كفاءة العملية الإنتاجية وزيادة نمو الاقتصاد وتطوره، بل يساهم أيضًا في خلق مجتمع متعاون قادر على الانسجام سويًا والسير نحو المستقبل بخطى ثابتة. 

تطوير رأس المال البشري والاستفادة منه علم واسع تهتم به الدول التي تسعى لركب قطار التقدم وتتعمق فيه المؤسسات التي ترغب في الازدهار، فإذا كنت تطمح في العيش في عالم يرعاه التقدم وتتمنى العمل في مؤسسة مزدهرة، عليك أنت تكون أيضًا عضوًا فعالًا في تطوير رأس المال البشرى ودراسة كل ما يتعلق به من تطورات وتطبيقها على أرض الواقع.